الشيخ محمد الصادقي
151
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
بواقع المعرفة ، فقد يعرفونها ، ومع الوصف لا يرجعون ، أم لا يستطيعون ، فما أحسنه تعبيرا أدبيا في حساب المستقبل إذ لا يحتّم شيئا من الأمرين إلا رجاء على رجاء . فها هم الآن يرجعون إلى أهليهم ومعهم بضاعتهم في رحالهم وجهازهم بإيفاء كيل وخير إنزال مما يرغبهم ، ولكنهم على وعد أن يأتوه بأخيهم مما يرهبهم ، عائشين في هذا البين بين الخوف والرجاء ، متشاورين في طريقهم كيف يراودون أباهم عن أخيهم ، وسابق مراودتهم إياه عن يوسف قد يحول بينه وبين هواهم ! هنا ندع يوسف في مصره ، ولنشهد مشهد الجمع بينهم وبين أبيهم ماذا يقولون وكيف يفعلون ؟ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 63 ) . في هذه المرة لا تعني المراودة احتيالا لاغتيال ، وإنما اكتيالا لأنفسهم وآخر لأخيهم ، ولماذا هنا يتقدم « مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ » وهو الأخير في ترهيب بعد ترغيب ؟ علّه لأنه الحاسم لموقفهم والمحرض لسؤالهم : لماذا منع الكيل ؟ ثم الجواب يضم الأوّلين : « أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ » وقد يعني « منع » فيما عناه كيل أخيهم أم أبيهم ، فمهما كان أبوهم شيخا كبيرا لا يأتيه ، فأخوهم لا يعذر إذا لم يأته فلا كيل له ، وقد يشير له « وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ » . ولولا عرضهم لما حصل عن تفصيل لم تكن صلة مقبولة بين منع الكيل وإرسال الأخ للاكتيال ، وهنا « أخانا » دون « ابنك » مزيد تأكيد لإرساله بتعطف أخوي ، وتأكيد ثان « وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . وهم بذلك الطلب العارم الجازم يستثيرون كوامن يعقوب حيث وعده من قبل في يوسف نفس الوعد بنفس الصيغة ، وقد خالفوه ! فكيف يأمن لهم بسابق كيدهم وميدهم ؟ ولذلك نجده :